عبد الله بن أحمد النسفي
250
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 79 ] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( 79 ) عليه يلوون ألسنتهم بالكتاب وهو المحرّف ، ويجوز أن يراد يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه مِنَ الْكِتابِ أي التوراة وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وليس هو من التوراة وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تأكيد لقوله وما هو « 1 » من الكتاب وزيادة تشنيع عليهم وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنّهم كاذبون . 79 - ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى عليه السّلام ، وقيل : قال رجل : يا رسول اللّه نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك قال : ( لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون اللّه ولكن أكرموا نبيّكم واعرفوا الحقّ لأهله ) « 2 » وَالْحُكْمَ والحكمة وهي السّنّة ، أو فصل القضاء وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ عطف على يؤتيه لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ولكن يقول كونوا ربانيين ، والرباني منسوب إلى الربّ بزيادة الألف والنون وهو شديد التمسك بدين اللّه وطاعته ، وحين مات ابن عباس قال ابن الحنفية « 3 » : مات رباني هذه الأمة . وعن الحسن ربانيين علماء فقهاء ، وقيل علماء معلمين ، وقالوا الرباني العالم العامل المعلم « 4 » بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ كوفي وشامي أي غيركم ، غيرهم بالتخفيف وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ أي تقرءون ، والمعنى بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم كانت الربانية التي هي قوة التمسّك بطاعة اللّه مسببة عن العلم والدراسة ، وكفى به دليلا على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل فكان كمن غرس شجرة حسناء تؤنقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ، وقيل معنى تدرسون تدرسونه على الناس كقوله لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ « 5 » فيكون معناه معنى تدرسون من التدريس كقراءة ابن جبير « 6 » .
--> ( 1 ) في ( أ ) هو ، سقط وما . ( 2 ) نقله الواحدي في الأسباب عن الحسن البصري أن رجلا . . . فذكره . ( 3 ) ابن الحنفية : هو محمد بن علي بن أبي طالب وهو أخو الحسن والحسين غير أن أمه خولة بنت جعفر الحنفية ينسب إليها تمييزا له عنهما ولد عام 21 ه ومات عام 81 ه ( الأعلام 6 / 270 ) . ( 4 ) ليست في ( ز ) . ( 5 ) الإسراء ، 17 / 106 . ( 6 ) ابن جبير : هو عبد اللّه بن جبير الهاشمي المكي ، روى الحروف عن أحمد بن محمد القواس ، وعرض على قنبل ، روى عنه الحروف إسحاق بن أحمد الخزاعي وعرض عليه أبو بكر الداجوني ( غاية النهاية 1 / 412 ) .